المحتوى

رسائل الرُشد في التنمية 4


وبعد أيها القارئ الكريم،

فبعد الرسالة السابقة التي طرحت فيها ملامح لماهية نموذج تنموي مختلف عن ما هو سائد ، ومرتكزاً إلى بعض المحطات الفارقة في الفكر الإسلامي. يكون السؤال الأكثر إلحاحاً تناوله هو هل يوجد إطار نظري (ومثال تطبيقي نتناوله لاحقاً) لهذا النموذج المعرفي في بناء المجتمع المستند للمرجعية الإسلامية.


وكعادتنا قبل أن نستهل ، لنقف للحظات مع المعاني الكامنة للغة العربية التي عبّر عنها الشاعر المعاصر مفدي زكريا (1397-1977) :

بلاد بها من (فاس) في القلب شعلة وفيها أحبائي، وصحبي وخلاني

ويا ذرى الشام هل هاجت مواجِدُنا فبارك الشعر في ناديك لقيانا

سهولتها، تغري البسيط وأنها من العمق ، تستعصي على كل(وزّان)

فأين من جرس الإيقاع خلطكم ما الشعر؟ أن لم يكن سَوقَاً وأغصَاناً؟؟


ولكي نجيب على سؤال هذه الرسالة، فكما تَوجّبَ علينا أن نلتفت للماضي، فإنه يجب علينا أن نستلهم من الواقع المعاصر لنستطيع أن نشكل تصور أكثر مقاربة وأكثر شمولية للإطار المبدئي الذي نستعين به لتفسير واستنطاق أحد النماذج الكامنة للتنمية في الفكر الإسلامي.

من خلال اطلاعنا على الأعمال التي قدمها عبدالوهاب المسيري و حامد الموصلي و عادل حسين خلال أوراق بحث متعددة يَصبُ جُلها في مبحث إشكالية التحيّز رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد. فأستطيع أن أوجز أبرز ملامح هذا النموذج الذي أطلقت عليه رُشد كالتالي:


1. مواءمة النظرة الفلسفية للكون مع الأفكار الأساسية للحياة اليومية: وهو دعوة الأفراد والمجتمعات لمواءمة نظرتهم للحياة والكون (في تحقيق العبودية الحقّ لله سبحانه وتعالى) مع أفكارهم وتفاعلاتهم بشكل رئيسي في مقتضيات الحياة اليومية، مثل أساليب الإنتاج وأنماط الاستهلاك. ويؤسس إطار عمل رشد لمنهجيات حياة وتنمية هادفة ينسجم فيها المعتقد والأفعال على حد سواء.

  1. أخذ المبادأة والوقاية كنهج للتقليل من المخاطر: ففيه تركيز على حلول وقائية شاملة لمختلف جوانب الحياة ضمن استراتيجيات التنمية. فمن منظور إطار عمل رُشد، يُنظر إلى البشر بكرامة واحترام قبل السعي لتحقيق أي تقدم اقتصادي.

3. تعزيز القدرات الإنتاجية الذاتية قبل البحث عن الموارد الخارجية: يعتمد إطار عمل رشد على الموارد المحلية ويتناول الاستمداد من موارد أخرى وفقًا لاحتياجات الناس. فيمنح إطار عمل رشد الأولوية للقدرة على الاعتماد على الذات، مما يتيح توظيف القدرات المحلية والتقنيات الأصلية والكفاءات لدفع عجلة التقدم. وبينما يعتمد بشكل أساسي على الموارد والقدرات المحلية، يمكن لإطار عمل رشد البحث في الموارد الخارجية عند الضرورة لتحقيق التوازن بين التنمية الإنتاجية الذاتية والواقعية.

4. فهم وتطبيق ثنائي التفكير والعمل: يستخدم إطار عمل رشد منهجًا ثنائي الأبعاد، حيث يُشار إليه أيضًا في نظريات المعرفة ذات الأصالة باسم "الرؤية بعينين". فيتجاوز إطار عمل رشد مجرد النظر إلى الجوانب الروحية فقط أو الجوانب المادية فقط عند تطوير المجتمعات. فيقرّ الإطار بالتراث والثقافة ويحاول الوصول لاتزان بينها وبين العوامل الاقتصادية مثل عوامل النمو.

4.1. الجانب الاجتماعي والاقتصادي: يؤكد إطار عمل رشد على الترابط بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية من خلال التفكير ووضع الاستراتيجيات والتنفيذ والتقييم لبرامج التنمية. ويدرك أن التنمية الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الرفاهية والنسيج الاجتماعي.

4.2. متعدد الأبعاد وبسيط: يُنظر إلى إطار عمل رشد على أنه متعدد الأوجه ومركب من جهة، حيث يشمل أبعادًا مختلفة، بما في ذلك الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى بساطته في الفهم والتطبيق. ويعمل الإطار كنظام ديناميكي ودائري بدلاً من نظام خطي.

4.3. التحسين والنقص: يتصالح نموذج إطار عمل رشد مع النقص والضعف البشري، والتي تنبع بعمق من فكرة مؤقتة الحياة وحتمية الموت. ويتقبل الإطار عدم اكتمال النموذج الانساني. فيعترف بأنه لا يوجد نموذج تنموي يمكن أن يكون مثاليًا تمامًا، ولكنه يسعى جاهدًا لتحقيق التحسين المستمر.

5. ربط إنتاج المعرفة بجذور المعرفة الأصيلة: ينطلق إطار عمل رشد من التراث الإسلامي. فالإطار يستند على أساسه المتين، وفي الوقت نفسه هو لا يقتصر على زمان أو مكان محدد، مؤكدًا على جوانبه التفاعلية والابتكارية في الجوانب التطبيقية.



للإطلاع على رسائل الرُشد في التنمية 5