المحتوى

رسائل الرُشد في التنمية 2

وبعد أيها القارئ الكريم،

فكيف وصل عالمنا اليوم لما هو عليه الآن في جوانب التنمية المختلفة ؟


لنتوقف هُنيهة مع قصيدة كاثرين ساسانوف "أوبنهايمر يغادر أسرته للعمل مجدداً، لوس ألموس 1945"

غادياً/ عائداً. بيت لم يشهد ولادتي،

مغادرته لا تثير فيّ شعوراً بالذنب:

لطالما نزلت به مراراً،

وكان حضوراً يشبه الانصراف..

أضحى ظهري باباً موصداً

لا يُرى منه وجوه أبنائي العابسة

كطعنة خنجر ــ


لا تراق الدماء بغياب الآباء

على الرغم من ذلك

قصص الأطفال الذين احترقوا

تجعل زوجتي مرتعبة من تلك الأيادي الصغيرة

التي يمكن أن تكرر محاولات الإشعال بين الكبريت

والهواء.. كيتي،

سنوات من البراءة،

والصحة سيزهو بها شباب ابنتنا،

وهي مستترة -

تحت ذلك الفستان الذي يُطل بحافته

دون أن يبين.


صوّرت كاثرين من خلال قصيدتها، بعضًا من الصراعات الداخلية لروبرت أوبنهايمر، الفيزيائي الذي أدار مشروع مانهاتن وقاد اختراع أول قنبلة نووية في منطقة أحيطت بالسرية المطلقة آنذاك بلوس ألاموس، بنيو مكسيكو، خلال الحرب العالمية الثانية. وبالمثل، لا تزالنقاشات أو سمّها صراعات لا تزال قائمةً عند المعنيين بأطروحات التنمية العالمية ، سواءاً عن ماهية التنمية؟ أو من يحتاجها ؟ أو من يقدمها؟ أو كيف يصوغها في منهجيات واستراتيجيات ومخططات؟ أو ما الوقت المناسب لتطبيقاتها؟. فكيف وصل عالمنا إلى وضعه التنموي الراهن؟ أو، بكلمات أكثر تحديدًا، كيف شكّلت التنمية الحديثة المجالات العامة للمجتمعات والدول و صاغت أسلوب مأسّستها؟


سنتناول بشكل مجمل فقط- ولاأدّعي التقصّي هنا لمختلف الجوانب- بالسرد والتحليل الأولي مجموعة من الرسائل التي يمكن القول أنها علامات فارقة في تشكيل العالم كما نعرفه اليوم، دون تغطية كل جوانب التنمية سواء جغرافياً أو زمانياً، مع محاولة إبراز بعضاً من جوانب التنمية الحديثة وتأثيراتها المتعدية خلال فترة من نهايات القرن الثامن عشر الميلادي وحتى اليوم.

الرسائل هذه المختارة قد تعبّر ،وفي نفس الوقت تختزل، عن ستة مراحل مختلفة لجوانب تنموية متعددة خلال القرنين الماضيين.

وكل رسالة فيها ساهمت بشكل ما في التعبير عن تشكل تلك المرحلة وهي على التوالي: الثورة الصناعية، و الاحتلال وعملية التحرير، و سباق التسّلح العلمي خلال الحروب العالمية، والمشاريع الإغاثية الدولية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وثورة تقنية المعلومات والاتصالات، والمواطِن العَالِم.

  1. الثورة الصناعية؛ رسائل آدم سميث (1769): في مراسلات بين آدم سميث واللورد هيلز، وثّق سميث بدقة سردًا تاريخيًا لأسعار السوق في اسكتلندا، مُسلّطًا الضوء على تناقضات تُعزى في معظمها إلى تأثير الطبقات الاجتماعية على تحركات السوق. هذه المراسلات، التي تُركّز على عدم دقة سجلات أسعار السوق بسبب بعض الظروف الخارجية، دفعت سميث إلى التعمق في النظريات الاقتصادية، مُساهمةً في نهاية المطاف في صياغة عدة نظريات في الاقتصاد الحديث مثل "اليد الخفية" وقدرة السوق الحر على تعديل نفسه بنفسه وحتى عمله الأشهر كتاب "ثروة الأمم". و في هذا الكتاب، يُفصّل سميث تقسيم الأعمال والقدرة الإنتاجية، وهما عنصران أساسيان في تعزيز الناتج الاقتصادي. تُعدّ رؤاه بالغة الأهمية لفهم ديناميكيات الكفاءة الاقتصادية وإنتاجية العمل، و التي شكّلت أساس النظام الاقتصادي الرأس مالي الذي ساد فيما بعد أغلب المعمورة (وهو ذاته النظام الذي أصبح مؤخراً مثار العديد من التساؤلات من قبل خبراء ومختصين وممارسين اقتصاديين عن مدى مقدرة هذه النظام على الصمود أكثر)، فهل تصمد مقولة سميث كذلك "الثمن الحقيقي لكل شيء... هو جهد وتعب الحصول عليه".
  2. الاحتلال (الاستعمار الحديث) والتحرير؛ لجنة كينج-كراين (1919) : كُلِّفت لجنة كينغ-كراين، التي بادر بها الرئيس الأمريكي ويلسون ذلك الوقت، بفهم الديناميكيات المجتمعية في فلسطين وما جاورها بشكل أعمق من خلال إرسال بعثة مكونة من عالم الاجتماع ومدير كلية أوبرلين هنري كينغ ورجل الأعمال الخبير بالسياسة تشارلز كرين. وقد سلّط تقرير اللجنة الضوء على المخاطر المحتملة لمركزة السلطة في المنطقة والتحذير من عدم مراعاة النسيج المجتمعي وضرورة عدم إدخال عنصر دخيل بالقوة. ورغم تجاهل التقرير المفصّل آنذاك من صانعي القرار السياسي بأمريكا، وأوروبا التي قد اتخذت قرارها بالفعل بالتقسيم، أبرزت نتائج هذا التقرير العواقب بعيدة المدى لتجاهل المكون الأصلي للمجتمعات المحلية وقدرتها الذاتية على إدارة التنوع والتعايش بشكل عادل و منسجم مع أطياف المجتمع المختلفة. وأشار التقرير إلى الخطورة الكبرى في السعي الممنهج لأي محاولات للتهجير والتطهير العرقي لسكان المناطق التي وقعت تحت الاحتلال. وقد ساهم هذا الإهمال المتعمد للتقرير في دخول المنطقة ككل في حالة من عدم الاستقرار والصراع الدائبين ضمن محاولات بسط النفوذ على المقدسات الدينية والسيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية، و بالتالي تحقيق الهدف الأساس لهيمنة قوى الاحتلال الغربي.
  3. الحروب العالميّة وسباق التسّلح العلمي ؛ رسالة أينشتاين-زيلارد (1939): حفّزت رسالة أينشتاين-زيلارد عام ١٩٣٩، التي كتبها الفيزيائيان ليو زيلارد وألبرت أينشتاين إلى الرئيس فرانكلين روزفلت آنذاك، للمسارعة بتنفيذ بمشروع مانهاتن، الذي تمت الإشارة إليه سابقاً. و تُوّج هذا المشروع بصنع القنبلة الذرية، و التي رغم الثورة العلمية التي أحدثتها، قد أدّت إلى كارثة انسانية وخيمة في هيروشيما ونجازاكي باليابان. فبعد الاختبار التجريبي للقنبلة الذرية في موقع الانفجار في لوس ألاموس، بنيو مكسيكو، أمر الرئيس الأمريكي هاري ترومان، بإلقاء أول قنبلة ذرية مُخترعة على هيروشيما، اليابان، وتسببت بشكل مباشر في مقتل ١٤٠ ألف شخص في ٦ أغسطس ١٩٤٥. أثّر ذلك الحدث المروع تأثيرًا عميقًا (وإن كان بشكل فردي) على عدد من المفكرين و العلماء أنفسهم الذين ساهموا في صناعة القنبلة بشأن ما المعنى الحقيقي من التقدم العلمي والجوانب المرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية للعالِم..ولعل أينشتاين قد يكون ممن تأمل لاحقاً في هذا الأمر، قائلاً: "لقد غيّر إطلاق الطاقة الذرية كل شيء باستثناء طريقة تفكيرنا...".
  4. التنمية الاقتصاديّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة؛ خطة مارشال (1948): وضعت خطة مارشال، التي صيغت في خطاب ألقاه وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال عام ١٩٤٨ في جامعة هارفارد، استراتيجيةً شاملةً للمساعدات وإعادة الإعمار في أوروبا في ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تقتصر هذه الخطة على تسهيل إعادة إعمار الدول الأوروبية التي مزقتها الحرب، بل أرست أيضًا سابقة منهجيات واستراتيجيات جهود الإغاثة الدولية. إلا أن تكرار هذا النموذج (بطريقة فرض الهيمنة أو النسخ واللصق) في سياقات ثقافية أخرى سلّط الضوء على تعقيدات تطبيق نهج واحد يناسب الجميع في التنمية، وأعطى إشارات تنبيه لبدايات رصد أهمية تكييف جهود وخطط التنمية مع الاحتياجات والظروف المحلية الإقليمية.
  5. ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ رسالة لمحرر التايمز(1991): قدّم تيم بيرنرز لي مقترحه عام ١٩٨٩ إلى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، مُقدّمًا بذلك شبكة الويب العالمية، مُحدثًا ثورةً في وصول الناس إلى المعلومات ومُعزّزًا نموّ منصات الاتصال الرقمية. وقد أثّر هذا التوسّع في الوصول إلى المعلومات تأثيرًا كبيرًا في جانب معين منه على قدرة الفرد على المشاركة بشكل مباشر فيما يطلق عليه التواصل أو الحوار العالمي . تُبرز رؤية بيرنرز لي لشبكة ويب متاحة "هذه التقنية للجميع"، الديناميكيات المتغيّرة للمجتمعات من جهة ، ومن جهة أخرى تطرح تساؤلات عن مدى تزايد الانتشار لقيم معينة مثل،على سبيل المثال لا الحصر ، الفردانية في المجتمعات الغربية وكذلك العديد من المجتمعات التي تحذو حذوها.
  6. القرن ال 21 المواطِن العَالِم؛ رسالة لـ هاني (2007): رسالة من عالمة فلك هاوية اكتشفت جرمآ سماويًا جديدًا كجزء من مشروع المُواطِن العَالِم. فاكتشفت المعلمة الهولندية هاني فان أركل أثناء مشاركتها كمتطوعة في مشروع الكتروني حيث طلب علماء فلك من جمهور الانترنت العام مساعدتهم في تصنيف المجرات فيما أطلق عليه مشروع حديقة المجرات.جُرم هاني (Hanny's Voorwerp) هو مثال على ظاهرة فلكية تُسمى صدى تأين الكوازار. حيث يظهر فوتوغرافيًا كنقطة ساطعة قريبة من المجرة الحلزونية في كوكبة الأسد الأصغر. فكان من فوائد هذه المشاركة المفتوحة للعامة أن قاد إلى اكتشاف جسمٍ سماوي لم يفطن إليه أحدٌ من قبل حتى من المتخصصين.

يجمع بين الرسائل المكتوبة أمور مشتركة كانت سبباً في اختيارها دون غيرها لهذا السرد.

من أهمها: وربما يكون أقرب ما توصف به هو قرع جرس إنذار إيذاناً بمرحلة جديدة مقبلة. فكانت تلك الرسائل وسيلة الإعلام عن ماهية هذه المرحلة وما هو هذا الشيء الجديد المُركّب الذي يصف المرحلة القادمة و يتشكل في الأفق.


أما من ناحية كُتّاب هذه الرسائل فهي مجموعة مما يقال عنهم النخبة كمفكر، وعالم فيزيائي، و سياسيّ. ومجموعة أخرى من مواطنين عادييّن كمبتكر، وهاوية للفلك. وهذا التقسيم ربما يكون وصفاً لعملية مرحلية في حينها وهي كذلك انتقالية مستمرة حتى اللحظة. وهذه العملية قامت في بداياتها على حصر صناعة المعرفة لدى نخب معيّنة في المجتمع الغربي، في الأغلب كانوا من العلماء وصنّاع القرار. وهذا قد أدى إلى أن إسهاماتهم الفكرية شكّلت نمطاً معيناً في تصور العالم ككيان واحد أو نسخة واحدة، وبالتالي لاحقاً في تطبيق نسخة معرفية عالمية موحّدة، تنطلق منها بعد ذلك استراتيجيات وسياسات وآليات تنموية ذات صبغة واحدة بغض النظر عن بقعة التنفيذ على أرض الواقع. بل تعدى الأمر إلى فرض هيمنة على أمم وشعوب مختلفة بحجة أن هذه المعرفة هي أفضل ما أنتجه البشر على الإطلاق! ولذلك وجب على الآخرين المحاكاة مباشرةً وعدم تضييع الوقت في محاولات أخرى!! فعلى سبيل المثال خطة مارشال لإعمار الدول الأوروبية حققت بالفعل نجاحاً كبيراً حينها. وكانت الفرضية وقتها أن هذا الأسلوب قابل للتأصيل والتأطير وإعادة التطبيق من جديد في أي مكان بالعالم، كما فعل روستو من خلال المراحل الخمس التنموية التي اقترحها. والتي ثبت فيما بعد بالملاحظة والتقييم للاستراتيجيات والخطط والبرامج المختلفة أن هذه الفرضية فشلت بشكل ذريع عند تطبيقها على بيئات مختلفة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.

وأما المجموعة الأخرى فقد تكون تحكي سردية مغايرة فهي تمثل في جزء منها المواطن العادي وكيفية رؤيته للعالم وتشكله من حوله، وما هي طرقه في استشراف مفاتيح المعرفة بمختلف جذورها وأغصانها كي تكون متاحةـ افتراضاًـ للجميع.


وفي الوقت الذي قد نجحت فيه بالفعل العديد من النماذج والمناهج التنموية حول السياقات السابقة الذكر، أخفقت نماذج أخرى إخفاقاً ذريعاً ، وبالخصوص في تقديم أجوبة شاملة وحلول لا تتسبب في مشاكل بأكثر مما تصلح. فلماذا لا تزال مجتمعات بأكملها تحت خط الفقر؟ ولماذا لا تزال ركيزتان أساسيتان لنهوض المجتمعات كالصحة والتعلم غير متاحتين بشكل كريم للإنسان في كثير من الدول الصاعدة بالجنوب العالمي؟ ولماذا لا تزال كثير من الشركات العابرة للحدود تسيطر على الغذاء وسلاسل توريد وتصدير الغذاء كذلك (والمملوكة في الغالب لدى ال ١٪ الأكثر ثراءاً) ؟ ولماذا لا تزال الحروب ـوأحياناً الإبادةـ وسيلة لبسط النفوذ السياسي والاقتصادي في مختلف أنحاء المعمورة؟


وقد نَدُرَ في النماذج السابقة الذكر أن تجدها مراعيةً لجوانب متعددة ذات أهمية ومركزية كالدين والثقافة والبيئة والمكان والزمان الذي تنطلق منه. وفي الواقع، يُمثّل التقدم (المادي) غير المسبوق الذي شهدته الفترة التي أشرنا إليها مفارقة واضحة. فكثيرًا ما يتعارض السعي نحو الكفاءة والتحكم في متغيرات الانتاج والتصنيع...الخ مع ضرورة وأولوية العدالة في رعاية الإنسان و ما يحيط به ..


فيظل السؤال الأكثر إلحاحاً:

ما هي ملامح نموذج مختلف ويراعي جوانب أكثر شمولية ، وقد يفتح آفاقاً تنموية متعددة؟ وهل هذا النموذج لديه القدرة على أن يستلهم الابتكار والتجديد من مقومات وتراث أصيل، كالنظريات المعرفية المستندة إلى الفكر الإسلامي؟

(رسائل في التنمية 3).