وبعد أيها القارئ الكريم،
فقد شهدنا ملمحاً سريعا لمدى قدرة النماذج المعرفية على التأثير فيما يتعدى الظاهر (وإن كان برّاقاً)، ليتغلغل في الأعماق عن. طريق ما يطلق عليه النموذج الكامن. فرأينا بعضًا من الآثار الناجمة عن النموذج الكامن لهيمنة الفكر الغربي والقائم بشكل كبير على وحدة (المادة). فالسؤال المطروح الآن هو : كيف نتستكشف ملامح نموذج مختلف عما هو سائد؟ وهل هذا النموذج لديه القدرة على أن يستلهم الابتكار والتجديد من مقومات وتراث أصيل، كالنظريات المعرفية المستندة إلى الفكر الإسلامي؟
ولنستكشف هذه الأسئلة بشكل أعمق علينا أن ننظر خلفنا رويداً ونتأمل ونتخيل..
فلنتخيل لوهلة كيف كانت أحوال ذلك الوادي الموصوف بغير ذي زرع كما فعلت أبيات سارة غزال ؟
عقيق، وزهرة الاليسم، ومشمش -
همس من متع الحياة البسيطة يراودني وسط الصحراء
أتردد خلال بحثي الحثيث، متذكرةً من هُجروا في سلةٍ، أو حديقةٍ، أو بئر..
ليس من أحد هنا لأكتب إليه
لكني سأحادث الشجرة، وظلها اللذيذ في حمّ الظهيرة..
مستقبلاً الجبال العاتية، لم يزده ندائي إلا ابتعاداً..
فنَحرت رغباتي مترقبة بيقين
خلال سعيي حتى ينبُع زمزم.
وعندما نتأمل أكثر لنجيب على التساؤلات المطروحة مسبقاً، فعلينا أولاً أن نمعن النظر فنتناول بالسرد والتحليل كذلك مجموعة من الوثائق أو الرسائل التي أسهمت في تشكيل الفكر الإسلامي، مع التركيز على عدد من الجوانب والسياقات التنموية المجتمعية الاقتصادية.
وقد اعتزمت أن أتناول كل رسالة بتحليل مختصر مع ذكر المعنى العام لهذه الوثيقة سيأتي لاحقاً. و سأذكر في هذا السياق أولاً لم اخترت هذه الوثائق بالتحديد وما هي العوامل المشتركةــ بشكل عام دون حصرــ التي تجمع بين هذه الوثائق.
فهذه الوثائق ذات تأثير مُتعدّ تَجاوز تأثير صاحب الرسالة أو الوثيقة في وقته، و كذلك المُرسل إليه أو المخاطب حينها. ليصل إلى آذانٍ لم تكن هي السامعة وأبصارٍ لم تكن هي الناظرة وأفئدةٍ لم تكن مطّلعةً على عين الحدث وقت حدوثه. فيمكن أن أقول أن أثر كل واحدة منها أبعد من الحدود الزمانية والمكانية للوثيقة بحد ذاتها ، وذلك من وجه نظري لاشتراكها في عدة أمور. أوّلها وجود حاجة ملحّة أوجدت هذه الوثائق فتهيأت ظروف محددة أصبحت معها تلك الصُحف حتمية الظهور ومركزية الأهمية. وثانيها هو محتوى الرسالة والذي تشترك فيه أغلب الوثائق المختارة في عدة أمور أيضاً ومنها: المأسسة لشيء لم يكن موجوداً من ذي قبل، فأغلبه ليس له سابق مثيل فهو مبتكر في المعنى والأسلوب. و كذلك استشعار وجود فراغ مجتمعي وَجب سده وملئه بما هو ملائم وصحيح، مع مظنة وجود سلطة في التنفيذ. و أيضاً صاحبَها الوعي بفكرة التأثير المتعدي مع مراعاة الجوانب المختلفة لهذا التأثير التي تنهض بالمجتمع ككُل وتحققّ مبادئ العدالة وإحقاقُ الحقّ. وثالث هذه العوامل هو صاحب هذه الوثيقة كرمز مجتمعي ذي سمعة طيبة و أيادٍ بيضاء على من حوله نبياً أو قائداً أو حاكماً أو كان فرداً من العامة عالماً أو فاعل خير، فجميعهم يشتركون في تَلمّسِ هموم الناس وأخذ المبادرة فيما يُقَوّمُ ويصلح أحوالهم.
و الوثائق هي كالتالي:
"هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
إنهم أمة واحدة من دون الناس.
المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الحارس (من الخزرج) على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين...
.........
وأن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم.
ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن.
وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضهم بعضاً.
وأن المؤمنين يبئ بعضهم عن بعض بما نال دماؤهم في سبيل الله.
وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن.
وأنه من اعتبط مؤمناً قتلاًَ عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول (بالعقل)، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا قيام عليه.
وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، وأنه من نصره أو أراه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف...
...........
وأن بطانة يهود كأنفسهم.
وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد.
وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا.
وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
وأنه لا يأثم أمره بحليفه وأن النصر للمظلوم.
وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
وأن لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره." مجموع من عدد من أمهات كتب الحديث والتاريخ.
2.الرحمة والعدل؛ العهدة العمرية، عمر بن الخطاب رضي الله عنه (15 هجرية، 638 م):
عندما تسيطر قوة ما على مكان ما بالقوة العسكرية (أو ما يطلق عليه احتلال, conquest ) ، لا يستطيع أن يردها شيء إذا كانت هي المنتصرة عن فعل ما تشاء كيفما تشاء بالطريقة التي تشاء. إلا أن تستند إلى عقيدة راسخة أقوى من هذه القوة نفسها أو هي في الحقيقة سر قوتها. فتكون تلك القوة بعدتها وعتادها وقتئذٍ وسيلة (الفتح، opening )، لتبتغى غاية أكبر من أية موارد اقتصادية أو نفوذ سياسي أو استحكام اجتماعي، فتبتغي بها أن تحرر الناس ليكونوا عبيداً حقاً لله سبحانه وتعالى. فعندها يختاروا ما يشاؤون من معتقد، فلا إكراه من أراد أن يأتي فطوعاً أو يبقى على معتقده ويؤدي ما عليه من مسؤوليات كرهاً وله ماله من حقوق. فهذا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم متمثلاً نفس المعاني العظمى للمنتصر على الظلم والممتن لله سبحانه وتعالى وحده كما عايشها وعايش آيات الوحي تنزل من السماء و يرى فعل النبي صلى الله عليه وسلم يسري في الأرض رحمة تحت شعار "لا تثريب عليكم اليوم". هو نفسه رضي الله عنه يمتثلها منهجاً وتطبيقاً قل أن تجد في كل التاريخ الإنساني ما يماثله عجباً وتفرداً عند فتحه للقدس الشريف في إشارة إلى فاعلية الوحي وصلاحه لكل زمان ومكان. (وقد اطلعت بنفسي على نسخة الوثيقة التي وثقها مؤرخون يهود ومسيحيون في موسوعة تاريخية موجودة في مكتبة دوهيني بجامعة جنوب كاليفورنيا، و يقرّون فيها بنفس ما جاء في كتب تاريخ المسلمين من إحقاق للحق وسيادة للرحمة في ذلك الموقف. لازلت أبحث عن الصورة التي التقطها للوثيقة حتى أوثقها توثيقاً صحيحاً بإذن الله).
"بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانـًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ؛ أنه لاتسكن كنائسهم و لا تهدم ولاينتقص منها ولا من خيرها ، و لا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضام أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص ، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم (ويخلى بيعهم وصلبهم) ، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم ، حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لايؤخذ منهم شىء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية .
شهد على ذلك: خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان .
وكتب وحضر سنة خمسة عشرة هـ ."
3.المبادأة برد المظالم؛ رسائل عمر بن عبدالعزيز في رد المظالم (99 هجرية، 717 م):هو الخليفة الخامس الراشد. لم يطلب الحكم ولم يُستشار عند توليته واشتهر برسائله لحكّام الولايات لإحقاق العدل ورد المظالم للناس. شرع عمر بن عبد العزيز في اتباع منهاج النبوة في الحكم، فتميز بالعدل في إعادة توزيع الثروات وإنصاف المظالم (زكريا، 1983). كان عهده دليلاً على إمكانية القيادة لإحداث تغيير اجتماعي عادل ملموس في إطار زمني قصير. قبل إصدار توجيهاته للسلطات الإقليمية، بدأ عمر بن عبد العزيز الإصلاح بلفتة شخصية ورمزية عميقة - متخليًا عن ثروته الخاصة وثروة عائلته إلى بيت المال، أي الخزانة العامة. لم تكن رسائله إلى حكام المناطق مجرد بيانات إدارية، بل كانت دعوات قوية للعدالة الاجتماعية، وحث القادة على إعادة تخصيص موارد الدولة لخدمة الصالح العام. كان إصرار عمر بن عبد العزيز على النزاهة وإحقاق الحق ثابتًا؛ لم يُفرط في المحاباة، ولم يتردد في مواجهة من تعدى من السلطة -سواءً كانت عائلية أو سياسية- في سعيه إلى الحق والعدل. وفي عهده، شهدت الخلافة نهضة اقتصادية واجتماعية. وازدهرت المؤسسات العامة، كالأوقاف، مساهمةً في الرفاه الاجتماعي وتقوية البنية التحتية الاقتصادية للدولة. وبلغت فعالية سياساته حدًا جعل مناطق في الخلافة تقضي على الفقر تقريبًا، دون أن يحتاج أحد إلى زكاة الفطر - وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ الحكم الإسلامي. ويُعدّ حكم عمر بن عبد العزيز مثالًا خالدًا على كيف يُمكن للقائد، المُحصّن بمبادئ العدل والملتزم بحقوق شعبه، أن يُحقق الرخاء والتوزيع العادل للثروة. وهذا مثال لأحدى هذه الرسائل لأحد الولاة.
"من عمر أمير المؤمنين، إلى فلان بن الوليد. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن أول أمرك يا فلان أن أمك بنانة أمة السكوني كانت تدخل دور حمص، وتطوف حوانيتها، والله أعلم بها فاشتراها دينار ابن دينار من فئ المسلمين فأهداها إلى أبيك، فحملت بك فبئس المحمول، وبئس الجنين، ثم نشأت فكنت جبّاراً شقياً، كتبت إلي تظّلمني، وزعمت أن حرمتك وأهل بيتك في مال المسلمين الذي فيه حق القرابة والضعيف والمسكين وابن السبيل، وإنما أنت كأحدهم لك ما لك وعليك ما عليك"
4. المشافهة والمكاتبة؛ الرسالة، محمد ابن إدريس الشافعي (204 هجرية، 820 م) :بعد قرابة ١٥٠ سنة من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم واعتماد الصحابة والتابعين (بطبقاتهم المختلفة) رضوان الله عليهم منهجاً وثيقاً و مركّبا في علوم متن الحديث (نقله والتفقه فيها) وطريقة نقله وإسناده، وهذه العلوم تعتمد بالأساس على أهمية الرواية والنقل الشفهي، ثم جاءت الكتابة بعد ذلك. حيث بدأت تتغير ملامح تشكلات المجتمع الإسلامي الذي أصبح مترامي الأطراف، فعلى سبيل المثال ضعف لسان اللغة العربية، وبعد الفتوحات وتوسع الأمصار ضعفت رواية الحديث بعيداً عن الحجاز، ومع وفاة أغلب جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وبداية نشأة الفرق والمذاهب الضالة وذلك لتدني الفهم للشريعة كما كانت من ينابيعها فحصلت كثير من الانحرافات. فظهر الإمام محمد ابن إدريس الشافعي مؤسساً للكتابة في أصول الفقه. عندما أرسل الإمام عبدالرحمن بن مهدي يطلب مسائل في معاني القرآن وحجية السنة وحجية الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ، فكتب الشافعي كتاباً (سمي الرسالة) يرد عليه بشكل منهجي جامع وفصاحةٍ آخّاذة فكانت نواة التأليف والتصنيف في أصول الفقه منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
الحمدلله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم بعدلون. والحمدلله الذي لا يُؤدى شكر نعمةٍ من نِعَمِهِ إلا بنعمة منه، توجب على مؤدِّى ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكرُه بها. فلما بلغ الكتاب أجله، فحق قضاء الله باظهار دينه الذي اصطفى، بعد استعلاء معصيته التي لم يرض. فتح أبواب سماواته برحمته ، كما لم يزل يجري في سابق علمه عند نزول قضائه في القرون الخالية. فكان خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، بفَتحِ رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أرسله به مرسل قبله، المرفوع ذكرُهُ مع ذِكْرِهِ في الأولى، والشافع المشفّع في الأخرى، أفضل خلقه نفْساً، وأجمعهم لكل خُلُقٍ رضيه دين ودنيا. وخيرهم نسباً وداراً_ : محمداً عبده ورسوله.
فكل ما أَنزل في كتابه- جل ثناؤه- رحمة وحجة، علمه من علمه وجهله من جهله، لا يعلم من جهله، ولا يجهل من علمه. والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جُهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارضٍ دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه: نصًّا واستنباطاً، والرغبة إلى الله في العونِ عليه، فإنه لا يُدركُ خيرٌ إلا بعونه. فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصّا واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه: فاز. بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الِّريب، ونوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين الإمامة. فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المُديمها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهما ً في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولاً وعملاً يُؤدِّ به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده. فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها."
5.الاستقلالية المالية؛ فاطمة الفهرية (245 هجرية، 860 م): ورثت ثروة عظيمة سخّرتها في أوقاف تنفق على المحتاجين والمقيمين للتعلم والمسافرين في فاس بالمغرب.إحدى دلائل إسهامات الأوقاف التي أقامتها في جامع القرويين التي تحولت إلى جامعة القرويين هي وثيقة تخرج أحد أقدم الشهادات والإجازات في الطب البشري ،و يعادل هذه الوثيقة اليوم شهادة الدكتوراة. فقد ورثت فاطمة الفهرية ثروة طائلة عن والدها وزوجها، فقررت تخصيص جزء كبير من ميراثها لإنشاء وقف خيري أشرفت على بنائه حتى انتهاء عمارته وهي صائمة. وقد أرسى عمل البر الذي بادرت إليه بوضع حجر الأساس لجامع القرويين في فاس بالمغرب، الذي أصبح منارة للعلم والمعرفة. وأصبحت هذه المؤسسة نواة للتميز الأكاديمي، إذ وفرت للعلماء رواتب، ومساكن لطلاب العلم، وقوتًا للمحتاجين وأبناء السبيل. وازدهر وقفها ليشمل جامعة القرويين، التي اعترفت بها اليونسكو ومؤرخون مرموقون كأقدم مؤسسة تعليمية مستمرة في العالم. وتضم قائمة خريجي هذه الجامعة أسماءً لامعة مثل الفيلسوف ابن خلدون، رائد الخطاب الاجتماعي الحديث، والبابا سيلفستر الثاني، المعروف ببراعته الرياضية. و لا تزال قاعات جامعة القرويين تحتفظ بوثيقة نادرة تكشف عن الدور المحوري للجامعة كمركزٍ رائدٍ للتعلم. يُبرز هذا الوصف التكامل الدقيق بين البحث العلمي ومكارم الأخلاق، مما يعكس فهمًا عميقًا لشمولية المنهج في نظرته للتعليم والمهنية.
"تتعلق هذه الوثيقة بأول دبلوم في العالم يُمنح في الطب البشري والبيطري، يعود تاريخه إلى ثمانية قرون، أي سنة 1207 م، مُنح للطبيب عبد الله بن صالح القطامي. القطامي، طبيب وطبيب أعشاب وأستاذ صيدلة من أصل أندلسي، عاش بين مراكش وفاس، وعمل صيدليا في بلاط الموحدين، ويُعتبر من أعظم معلمي علوم الأعشاب والصيدلة. وكانت "لجنة الامتحان" كما تسمى في لغة ذلك العصر تضم كبار خبراء الطب والمختصين في ذلك العصر، ويدل على الدبلوم - وثيقة التصديق - وجود الكاتب العدل والقاضي محمد بن عبد الله طاهر، إلى جانب ثلاثة أطباء بارزين: ابن البيطار، وابن حجاج الإشبيلي، وأبو العباس بن الرومية، وما يظهر من مضمون هذه الوثيقة هو أنه إلى جانب خبرتهم العلمية وإتقانهم للعلوم الطبية والأعشاب وقد مكّنته الشهادة التي شهدها شخصان عادلان من "العلم والورع وحسن الإدارة" من "المحيط الذي يقف على شاطئه الأطباء، ولا يستطيعون منافسته في ميادين الطب والبيطرة والصيدلة، رجلاً عالماً ماهراً، فطناً، حذراً".
6.الأصالة والإبداع؛ شمس الدين الخفري (956 هجرية، 1550 م): عالم فلك قدم حلولاً ونظريات لم تكن معروفة حتى زمانه عن حركة دوران الكواكب. تشير عدد من الوثائق إلى أن من جاء بعده مثل كوبرنيكوس تأثروا بشكل كبير بحلوله. ففي مواجهة الرواية الاستشراقية السائدة التي تفترض ركود الابتكار العلمي في العالم الإسلامي بعد عصر الغزالي (504 هجرية، 1111 م)، يُبحث تأريخ بديل من خلال أعمال مثل أعمال عالم الفلك شمس الدين الفخري، الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي. حيث تُجسّد مخطوطته "حل ما لا ينحلّ" روحًا راسخة من استمرار البحث والأصالة التي سادت في التراث العلمي الإسلامي طوال قرون طويلة. قدّمت أطروحة الفخري الفلكية حلولًا مبتكرة لميكانيكا سماوية معقدة حيّرت العلماء منذ عهد بطليموس. فلم تُعالج مساهماته التحديات العالقة فحسب، بل مهّدت أيضًا للتطورات الفلكية التي ستُنسب لاحقًا إلى كوبرنيكوس. إن إقرار الفخري بإضافته على أعمال أسلافه مثل قطب الدين الشيرازي يدل على ثقافة علمية ديناميكية كانت بعيدة كل البعد عن التقليد أو الركود.
"ويضيف أنه قد تفوق على الشيرازي وأتى بما هو أفضل من حلوله. وإدراكه أنه قد تفوق على هذا الإعجاز الذي كان الشيرازي يتكلم عنه هو كلام لا يصدر عن امرئ كان يُفترضُ فيه أن يجترَّ أفكار الماضي، ويعيد الشرح بعد الشرح لنصّ قد التزم تفسيره فقط وإعادة سرد محتوياته كما كانوا يخبرونا بأن هؤلاء الشرّاح يفعلون. في صفحة يعرض المؤلف الشكل ٢٦ وفيه يؤكد الخفري أنه قد تمكن من اجتراح السحر والإعجاز اللذين كان الشيرازي قد أومأ بهما إلى من يصل إلى هذه المرتبة من الإبداع"
فتلك عزيزي القارئ مجموعة من الرسائل التقديمية والتي تقودنا إلى مبادئ عامة كبرى مهمة نستطيع من خلالها أن ندلف إلى الإطار الذي يشكل الملامح الأولية لهذا النموذج المعرفي في بناء المجتمع المستند للمرجعية الإسلامية.
ولكي نفعل ذلك، فكما تَوجّبَ علينا أن نلتفت للماضي، فإنه يجب علينا أن نستلهم كذلك من الواقع المعاصر لنستطيع أن نشكل تصور أكثر مقاربة وأكثر شمولية للإطار المبدئي الذي نعتبره أداة لتفسير واستنطاق النموذج الكامن للتنمية في الفكر الإسلامي.
رُشد